Yahoo!

خطوة… إلى الوراء

كتبهابنت العقيدة ، في 22 أيلول 2008 الساعة: 06:04 ص

خطوة… إلى الوراء

 

 واقع مرير نعيشه تعصف فيه فتن تجعل الحليم حيران… واقع لا يأمن فيه المؤمن على نفسه من أن يلحق بركب المنتكسين والمنقلبين على أعقابهم؛ لذا كان الخوف من الانتكاسة أمر مطلوب من كل مسلم ومسلمة؛ فهذا الخوف هو السَّوط الذي يقود المرء إلى الله والدار الآخرة، وبدونه يركن إلى الدنيا والنفس وحظوظهما؛ ولهذا قال أبو حفص وهو من كبار الزهّاد: الخوف سَوْط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه، وما فارَقَ الخوفُ قلبًا إلا خَرِب، وقال أحد السلف وهو ذو النون المِصريّ: الناسُ على الطريق ما لم يَزُل الخوف عنهم، فإذا زال الخوف ضَلوا الطريق.

والخوف من الانتكاسة نوعان:

  - النوع الأول: الخوف من الكفر أو الردة عن الدين بالكلية – والعياذ بالله - وهي أعظم الانتكاسات جميعاً، وهو الذي أشار إليه النبي (ص) في الحديث الشريف الذي ورد في صحيح البخاري: وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار وفي حديث آخر جاء في صحيح مسلم:  بَادِرُوا بِالأعْمَالِ الصالحة فِتَنًا كَقِطَعِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ اَلرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ اَلدُّنْيَا. والصحابة الكرام على جلالة قدرهم وعميق إيمانهم  وكثرة أعمالهم الصالحة كانوا يخافون من فقد الإيمان؛ ولقد عبّر ابن القيم عن هذا الأمر فقال:

والله ما خوفي الذنوب فإنّها      لعلى طريق العفو والغفران

لكنما أخشى انسلاخ القلب من    تحكيم هذا الوحي والقرآن

- والنوع الثاني وهو: الخوف من التقهقهر في التمسّك بتعاليم الدين نتيجة ضعف قد يعتري بعض السالكين -وهو المرض المستشري في عموم المسلمين إلا من رحم الله- ولقد أخبر الصحابي الجليل عبد الله بن سرجس رضي الله عنه في الحديث الذي ورد في صحيح مسلم أنّ رسول الله (ص) إذا سافر كان يتعوّذ من وعثاء السفر وكآبة المنقَلب، والحور بعد الكون، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال، وفي بعض الروايات: ومن الحور بعد الكور قيل هو النقص بعد التمام، وهناك الخوف من نقصان الخير كتضييع السنن والنوافل وهذا ما أشار إليه النبي (ص) في الحديث الذي ورد في صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، قال لي رسول الله (ص): يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل .

 وحديثنا عن النوع الثاني عن أمر لا يُعد ظاهرة ولا يرقى إلى مستواها، لأنّ أصحابها هم بحمد الله قليل، ولكنها مع ذلك موجودة في صفوف نسائنا ونموذج يُقاس عليه غيره وهي قيام بعضهن بخلع النقاب أو الجلباب والاكتفاء بالملابس المحتشمة بحجة أنها شرعية، وقد لا تلبث أن تتحوّل إلى الزينة والموضات المحرّمة.

 فإذا أردنا أن نستقصي أسباب هذه الخطوة إلى الوراء وخلفياتها سنجد أبرزها:

  1. ضعف الايمان: فانتكاس الظاهر دليل على انتكاس الباطن، وهذا هو الالتزام الأجوف، فمن ضَعُف إيمانه ضعف صبره على التمسّك بشرع الله و(الصبر نصف الإيمان) كما قال الرسول (ص).
  2. تتبع الرخص بالتشهّي ويُقصد به: سؤال المسلمة لأكثر من عالم عن حكم النقاب وحكم الاكتفاء بالملابس العادية دون الجلباب، وتبنّي أخفّ قول وأقربه إلى هواها ورغبتها من غير ضرورة ولا حاجة؛ وهذا واقع كثير من المُستفتيات. ولقد اتفق العلماء على أن هذا ممنوع شرعاً لأسباب منها: أنّ تتبع الرخص يؤدي إلى التفلت من ربقة التكليف، كما أنه دليل على اتباع الهوى؛ ولقد حذّرنا الشرع من ذلك، كما يدفع المرء إلى تمييع أحكام الشريعة والاستهانة بها ويفتح بابًا للأخذ بالأقوال الشاذّة والباطلة وغير المعتبرة.
  1. كثرة المتصدرين للفتوى ومن بينهم من ليس أهلاً ولا ثقة، يقول الإمام محمد بن سيرين رحمه الله: إنّ هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم؛ فعلوم الشريعة ليست كالعلوم الدنيوية نتلقاهاعن الصالح والطالح والمسلم وغير المسلم، بل هذه العلوم دين ومنهج حياة لذلك لا تُتلقّى إلا عمن كان ثقة في دينه وعلمه.
  2. الافتتان بالموضة السائدة؛ وما يعزّز هذا الجانب كثرة المحلات التي تزعم بيع الملابس ذات المواصفات الشرعية في الوقت الذي لا يراعي كثير منها حقيقة.
  3. الضغوطات التي تتعرّض لها المنتقبة أو المجلببة من الأهل والمحيط الاجتماعي والمهني مما قد يدفعها لخلع النقاب أو الجلباب، والغريب أنه لو كان أمرًا من أمور الدنيا ربما لتمسّكت به ولناضلت في الدّفاع عنه ولما تزحزحت عن موقفها قيد أنملة، وهذا يخالف الحال الذي كان عليه الصحابة الذين كانوا لا يُقيمون لضغوط أهلهم وزناً فيما يتعلّق بإيمانهم وتطبيقهم لشرع الله عكس أمور الدنيا.
  4. الخجل من الصورة السيئة التي تعرضها وسائل الإعلام عن المنقبات؛ فمعظم الأفلام التي يتم عرضها تناولت هذه الفئة بصورة مشوّهة.. فمرة تجعل البطلة ترتدي النقاب لكي تذهب لعشيقها في شقته دون أن يكتشفها أحد.. ومرة أخرى تصوّرها على أنها إرهابية وتجعل من نقابها ستارًا لكي ترتكب جرائمها سراً. هذا غير تسليط الضوء على فنانات ارتدين النقاب أو الحجاب ثم خلعنه والتعتيم على نماذج مشرقة من النساء المنقبات والمجلببات.
  5. الأسلوب الصارم الذي يعتمده الأهل أحيانًا من ناحية إجبار الفتاة على ارتداء النقاب أو الجلباب دون رغبة بهما، وهذا الأمر له ردّة فعل عكسية حيث تتحيّن المرأة بعد ذلك أي فرصة لخلع النقاب أو الجلباب.
  6. ضَعف الاهتمام بالعلم الشرعي في صفوف النساء وهذا من أسباب الزَّيغ والنُّكوص؛ فمعرفة فرضية وقيمة النقاب والجلباب تزيد من التمسّك بهما والعَضّ عليهما بالنواجذ، ولقد قال ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين: يُعرض للسالك مَعاطب ومَهالك لا يُنجيه منها إلا بصيرة العلم: وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله أيضًا: من لاح له فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف.
  7. فساد البدايات: قد يكون لُبس الحجاب أو الجلباب نتيجة فَوْرة أو حماسة مؤقتة وهنا تظهر حكمة التدرّج؛ فلقد قال الرسول (ص): إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق رواه الإمام أحمد.

10. الخوف من الفتن والابتلاءات قبل وقوعها وهذا أيضًا دليل على ضعف الإيمان ودليل على خشية الناس أكثر من خشية الله بخلاف ما كان عليه الصحابة الذين: (إذا قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) آل عمران: 173.

   ومما لا شك فيه أنّ التفريط بالنقاب أو الجلباب له انعكاسات خطيرة أبرزها:

  1. التساهل والترخّص في أمر الدين؛ فالنساء اللاتي يتساهلن في امتثالهن لأمر الله تعالى؛ سيجدن أنفسهن مندفعات بعد فترة من تساهل إلى تساهل.
  2. إعطاء صورة مشوَّهة عن شخصية المرأة المسلمة بأنها غير واثقة من نفسها- مزعزعة- بلا اعتزاز.
  3. تكريس الصورة السلبية للنقاب والجلباب: (عائق – رمز للتخلف والرجعية..).
  4. إعطاء الفرصة للآخرين للتجرؤ عليه في المحافل والمنابر كافة؛ فإذا هان على المسلمات فطبيعي أن يهون على غيرهن.
  5. تنفير غيرها من النساء.

  أخيراً نذكّر أنفسنا وأخواتنا وكل أخت نزعت أو تسوّل لها نفسها نزع النقاب بضرورة معرفة قيمته فهو إن كان فرضاً فرضه الله سبحانه وتعالى فيكفيها فخرًا أنها تطبِّق أمره وإن كان مستحباً وفضلاً فهي ليست في غنًى عن فضله تعالى، ونقول للأخوات اللاتي ينجرفن وراء الموضة فيبادرن إلى خلع الجلباب إنّ الله  تعالى حذّرنا من التساهل والتفريط في مثل هذه المسائل بقوله: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) (البقرة: 61 ) كما نبهنا الرسول (ص) على خطر الاتباع الأعمى للأزياء بقوله: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش انتكس: أي نكص على عقبيه ورجع.

  كما نحث أنفسنا وأخواتنا على ضرورة التزوّد الإيماني المستمرّ من التمسّك بالقرآن الكريم تلاوةً وحفظًا وفهمًا وتدبرًا والاستزادة من النوافل والطاعات؛ فالإيمان يزيد وينقص وإلا كان القلب مُعَرَّضًا لهجمات شرسة لاستيطانه من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء وهذا ما عبّر عنه قيس بن الملوح (مجنون ليلى) قائلاً:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى                 فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا

  كما ندعوهن إلى التزام صحبة الصالحات والالتفاف حول العناصر المثبّتة لا المثبِّطة لقوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغَداة والعشي يريدون وجهه ولا تَعْدُ عيناكَ عنهم تريد زينةَ الحياةِ الدنيا ولا تُطع من أغفلنا قلبَه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمرُه فُرُطًا) (سورة الكهف: 28)، ولنا في السلف الصالح ومنهم الإمام أحمد بن حنبل أسوة حسنة يقول الإمام أحمد عن مرافقة الشاب محمد بن نوح الذي ثبت معه في الفتنة (محنة خلق القرآن وما أعظمها من فتنة): ما رأيت أحدًا على حداثة سِنِّه؛ وقدر علمه أقومَ بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد خُتِم له بخير، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله الله، إنّك لست مثلي، أنت رجل يُقتدى بك، قد مدّ الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك، فاتّق الله، واثبت لأمر الله. ونذكّرهن  بأمضى سلاح وهو الدّعاء؛ فحسبنا أنّ النبي (ص) كان يُكثر من أدعية الثبات ومنها: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة في الرشد أخرجه الطبراني، وكما ورد في سنن الترمذياللهم يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك والدعاء الذي ورد في موطأ الإمام مالك: واقبضني إليك غير مفرّط ولا مضيّع.

 اللهم زدنا ولا تنقصنا اللهم آمين.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خاطرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك