زمان غير زمانكم
كتبهابنت العقيدة ، في 27 أيلول 2008 الساعة: 08:41 ص
زمان غير زمانكم
أتَذكره شابًا في مِيعة الصبا جالسًا في إحدى زوايا المحل واضعًا رأسه بين يديه، وكأنّ هموم الدنيا كلّها قَد أناختْ مَطاياها على أكْتَافه، وكلّما دَخَلت زُبونة إلى المَحَل لِشِراء حِذاءٍ جَدِيد كانَ صَوْت والده يَنهره فيَقُوم جارًّا قَدَميه بِصُعوبَة….
أتَذَكرُه واقفًا مُطأطئًا الرَأس… مُطبق الشفتين أمام والده وهو يؤنبه على سوء معاملته للزبائن، وإنْ تجرّأ على إبداء اعتراضاتِهِ وُملاحظَاتِهِ واقْتِراحَاتهِ كانَ والده يَصمّ أُذنيه عَنْها بسرعة.
كَمْ مِنَ المرّات شَكَى لنا الأب ابنه الذي لا يُساعِده كثيرًا في العَمَل وهو الكبير في السّن خاصة في ظِلّ الأوضاع المَعيشية الصَعبة التي يمرّ بها البلد والتي أثّرتْ على القُدرة الشِرائية عِنْدَ الزبائن ممّا حَداه لإقْفَال الفرع الثاني للمَحَل؛ فكنّا نُشْفِقُ عَليه عندئذ ونُمْعِن أنا ووالدتي النظر في المعروضات التي عفا على مُعظمها الزمن عَلَّنا نَجِدُ ما نَشْتريه، ولَكِنََنَا كُنّا نَخْرُجُ بَعْدَ ذلك كَمَا دَخَلْنا خَاليتا الوفاض…
ومَرّت الأيام وقلّ تَرددنا على المَحَلّ وفُوجِئْنَا بَعْدَ فَتْرَة بِخَبَر وفاةِ الأب…
وتبدّل الحال…
فالشاب نفسه الذي كان الحُزن واللامبالاة رَفيقيه الدائِمَين أصْبَحَ دائم الابْتِسَام لا تَهْدأ حَرَكته.. والمُوظفون الذين حلّوا مكان الوالد فشباب في عُمْر الورود.. أمّا واجهة المَحَل الباهتة أصْبَحَتْ اليوم تَخْطفُ الأبْصار مِنْ جَمَال السِلع المَعْروضة؛ وفي زَمَنٍ قِياسي أضْحَى الزَّباَئن الذين يَرْتادون المَحَلّ كُثُر ومِن كلِّ الفِئات والأعْمَار حتى بتنا لا نجِد لأقدامنا مَوْطئًا دَاخله..
ولم تمضِ فَتْرة قَصِيرة إلا وَاتخذَ الشاب للمَحَل فِرْعًا ثَانيًا.
سُبْحَان الذي يُغيّر ولا يَتغيّر
هذه العبارة أصْبَحت ديَدني كلْما مَررت بِجَانب المَحل، وفي سِري كنتُ أُحَاول التنقيب عَنْ سَبَبَ هذا التغيير الإيجابي في شَخْصية الشاب ومِنَ الإقْبَال الشّديد على المحلّ في ظِلِّ وضع اقْتصادي يَزْدادُ سُوءً.
بعد ذلك اكتشفتُ أنّ لا قاسِم مُشْتَرَك بين الأمرين، فَكلّ ما في الأمر أن انْتِعَاش المَحَل لم يِكن يَحْتَاج لأكثر من إدراك حقيقة مفادها: ضَرورة مراعاة الاختلاف والفُروق بَيْنَ الأجيال والتي تَفْرِضُها التطورات المُذْهِلَة والتغيرات الجَمّة التي يشهدها العالم… تَطور إعْلامي، وتطور تقني وتكنولوجي، وتطور فى كُل الميادين… وهنا لا نَتَحدثُ عَن الاختلاف والفروق في المبادىء والقيم الثابتة التي حَضّ عليها الله ورسوله (ص)، والتي لا تَتَغَيّر بِتَعاقب الزمن وإنّما نَتَحدث عن الاختلاف في الوسَائل والأسَاليب المستحدثة، وبِناءً عليه وضع عُنْصر الشباب في قَوالب الجُمود والاستكانة والتقليدية خطأ كبير.
وهذا الأمر لا يَنْطَبق فقط على العلاقة بين الأهل وأبنائهم بل حتى في أي عمل جماعي أو مهني؛ فلقد أثبتت الدراسات في علم إدارة الثروة البشرية (أو إدارة الأفراد) بأنّ أكثر من 40% من المشاكل بين العُمّال سببها في العادة الاختلاف بين الأجيال.
إن إدراك هذه الحقيقة يستدعي بالطبع الإعتراف بأنّه من حَق الشباب أن يُعطوا الفُُرَص للتَجْربة والإبْداع والابتكار وذلك لا يكون إلا بزيادة جرعات الثقة بهم، والتركيز على الأهداف والأغْراض المُراد تحقيقها، أكثر من الوسائل والأساليب.
كل ما قُلْنَاه عبّر عَنه الإمَام علي رَضي الله عَنْه بِكَلِمَات مُوجَزة حِينما قال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خاطرة | السمات:خاطرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















