Yahoo!

أنا في صحيفتك

كتبهابنت العقيدة ، في 4 تشرين الأول 2008 الساعة: 08:35 ص

أنا في صحيفتك

تناول عمر الفوطة يمسح بها حُبيبات العرق المتلألئة على جَبينه… عيناه أخذتا تفترسا الدكان شِبراً بشبر… تنهيدة خرجت من أعماقه أفصحت عمّا في داخله من تأفف وتذمّر: هذا الفرن أصبح سجناً لا أعرف متى سيُطلق سراحي منه.

 - صاح محمد - شريكه في العمل-: لا تنفك تردّد هذا الكلام… هذا الفرن الذي لا يعجبك يدرّ علينا أموالاً طائلة.

  - الحمد لله رب العالمين… ولكن نفسي تتوق إلى ما هو أكثر من المال وتدافعت إلى مخيلته صور زملاء الدِّراسة الذين أصبح منهم: الطبيب والمهندس والمحامي والقاضي…

  نظرات عتب رمق بها محمد شريكه: متى ستقدّر قيمة هذا الدكّان؟! إنّه لا يدرّ أموالاً وفيرة فقط ولكنه ميداناً خِصباً للدعوة إلى الله تعالى… احمد الله تعالى على ما حباك به من شخصية جذّابة تـ…

    دخول بعض الشبّان لشراء المعجنات قطع عليهما الحديث. وقف محمد يتأمّل زميله وهو يمارس فنونه الدعوية بإعجاب، متسائلاً بينه وبين نفسه: ترى لو لم تدفعه ظروفه الصعبة لترك تحصيل العلم وطموحه الذي أراد به أن يختصر الوقت أكان حاله كما هو الآن؟… فور خروجهما نفض عمر عن ثيابه ذرّات الطحين وحمل حقيبته موجِّهاً الحديث إلى شريكه: أنا ذاهب لأداء صلاة الجمعة.. أتودّ مرافقتي؟

  - سأذهب لوحدي .

  - ضحك عمر وقال مداعباً: هذا مسجد تمّ بناؤه حديثاً ويقع في الجهة المقابلة من الشارع… لا يحتاج الوصول إليه سوى دقائق معدودة!

عقّب محمد على كلامه: بل سنستغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى المسجد.

  مساحات الضِّيق الجدباء أورقت وأزهرت في صدره عندما التقى عمر بشخص على الطريق أخذ يستفتيه بمسألة معينة فاتصل فوراً بأحد الشيوخ الذين يعرفهم وقدّم الفتوى للمستفتي فوراً.

   صَدَقَ زميله، فالمسافة التي لا تستغرق عادة سوى دقائق طالت، فها هو يُخْرِج من حقيبته الدعوية شريط لأحد العلماء الأفاضل ويسارع بتقديمه لأحد الشباب.. ويوزّع مطوية أو كتيب صغير هنا وهناك… ويدعو بعض الشباب لمحاضرة يلقيها أحد الشيوخ… ويقف قرب المسجد مع مجموعة من الشباب ينصحهم ويوجِّههم فيستجيب بعضهم فيدخلون معه لأداء الصلاة…

  صلّى عمر ركعَتيْن تحية المسجد وعندما صعد الخطيب إلى المنبر، أخذ يتأمله متسائلاً بينه وبين نفسه: هذا الوجه السمح ليس غريباً عليّ، ربما سمعت له خطبة في مسجد ما.

عندما فرغ المصلون من تأدية صلاة الجمعة إذ بيد تستوقفه… وجد عمر نفسه وجهاً لوجه أمام خطيب الجمعة ذي اللحية الكثة: لم تتذكرني، أليس كذلك؟.

 تدفق الدم إلى وجنتي عمر: لن تخونيني… لن تخونيني.. بل ستسعفينني كما في كلّ مرّة خاطب عمر ذاكرته وكأنها كائن حيّ يتنفّس، ثم افترت ابتسامته عن أسنان ناصعة البياض: بلال؟؟؟ أيعقل أن تكون أنت؟

  تهللت أسارير الخطيب حينما سمع اسمه يخرج من بين شفتي عمر: نعم بلال نفسه… الشاب العابث اللاهي قبل دخولي لدكانك منذ  سنوات… وها أنا اليوم أمامك بفكرٍ وقلب وحياة جديدة كما قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)… بحثت عنك ولكن قالوا لي إنّك أقفلت الدكّان.. ولم أكن أملك رقم هاتفك.

  ربّت عمر على كتف الإمام وهو غير مصدق: .. نعم بلال… أقصد شيخي الكريم… انتقلنا إلى مكان آخر…. سبحان الله… سبحان الله… سبحان الذي يُغيّر ولا يتغيّر.

أتذكرون عندما شجعتموني على طلب العلم؟

نعم طبعاً.. أجاب عمر ولسانه منعقد من الدهشة.

عملت بنصيحتكم ودخلت كليه الشريعة… وها أنا الآن كما ترى، بل أكثر من ذلك أحضّر حالياً لرسالة الدكتوراه.

اغرورقت عينا عمر بالدموع، واكتفى بالقول: الحمد لله رب العالمين،  أحاط الإمام خصر عمر وضمّه إليه قائلاً: أردت أن أقول لك فقط إنني في صحيفتك إلى يوم القيامة.

 المسجد فارغ إلا من عمر… جبهته ساجدة لله شكراً… وقلبه مجدِّداً العهد مع الله تعالى بأن يكون من خير أمة أُخرجت للناس، ولسانه لا يفتر عن التضرع والحمد والشكر بينما دموعه تخضب وجهه: اللهم لك الحمد كما سخّرتني لخدمة دينك… صدق رسولك الكريم (ص) حين قال: لئن يهدي الله بك رجلاً أحبّ إليك من حمر النعم.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “أنا في صحيفتك”

  1. بارك الله فيكِ

    سلمت لنا يراعك الطيبة

    جزاكِ الله الفردوس الآعلى

  2. سلمت يمناكِ.. وبارك الله بكِ..
    بانتظار المزيد والمزيد..من مواضيعكِ المميزة والرائعة..



اكتب تعليــقك