حنق شديد أصابها حينما سمعت صوت والدها وهو ينادي عليهن بصوته الجهوري: (( منذ شهر وأنتن تصدعن رأسي: نريد جلابيب جديدة… نريد جلابيب جديدة؛ لماذا التأخّر إذن؟ أنتظركن منذ ساعة… هيا أسرعن… ))
هتفت (لمى) وعلامات عدم الرضى والانزعاج بادية على محياها: ((… من يسمعه يظن أنني أيضاً من يلحّ عليه.… لو ترك لي حريّة الاختيار بدل أن يفرض علينا لبس الجلباب فرضاً لكنت ارتديت كما ترتدي معظم المحجبات؛ عندها لوفّرتُ عليه المال؛ فالثياب أرخص وأجمل… لماذا هذا التزمت والتعصّب؟!.. لا أدري وكأنه… ))
قاطعتها (فاديا) أختها الكبرى مؤنبة: ((آخ منكِ… متى ستتوقف هذه الأسطوانة التي نسمعها منكِ كلما أردنا أن نقوم بأمر ما؟!))
ألقت (لمى) جلبابها أرضاً وصرخت: (( لن تتوقف ما دام كل شيء حرام… وما دام كل شيء يفرضه علينا والدكِ فرضاً بدءً من الحجاب وصولاً إلى الجلباب))
دبّت الحمية في نفس (سناء) التي لم تتجاوز الثالثة عشر من العمر فدافعت عن والدها قائلةً: (( إنّ والدي لم يفرض علينا الحجاب والجلباب بل الله تعالى هو من فرضه علينا… إنّما والدي يشجعنا ويحثّنا على الالتزام بما أمرنا الله تعالى به…))
نظرات نارية رمقت بها (لمى) شقيقتها الصغرى بينما خرجت الكلمات بصعوبة من بين أسنانها: (( اسكتي آنسة فصيحة… لم أسألك عن رأيك بالموضوع… ))
ردّت (سناء) بعصبية بالغة: ((ولكنه والدنا ولن أسمح لكِ بالحديث عنه بسوء…))
قاطعتها (لمى) صارخة: (( ومن عيّنك محامي دفاع عن العائلة؟!))
وسبقت الأيدي ألسنة حِداد وتعالت الأصوات وتطايرت العبارات وتدخلت الأم محاولة تلطيف الأجواء، إلا أنّ ثورة (لمى) لم تهدأ: ((إن لم تأمريها بالسكوت فسأقوم بإسكاتها بنفسي سئمت كثرة التدخلات من الكبير والصغير…))
همست الأم: ((اخفضي صوتك إن سَمِعَكِ والدك فستقع كارثة)).
أشاحت (لمى) بوجهها بعيداً وواصلت تذمرها وبثّ شكواها غير مكترثة: (( فليسمع… كل شيء… ممنوع… ممنوع… حتى إبداء الرأي ممنوع!!!… إلى هنا وصل القمع والديكتاتورية!!… متى سأخرج من هذا السجن؟ متى يا ربي؟)
حملت حقيبتها وهرولت إلى الخارج هي تتمتم بكلام غير مفهوم… لم يكن الأب بحاجة للسؤال ليستفسر عمّا جرى، فهو يعرف (لمى) جيداً؛ فهي حاملة لواء المعارضة في البيت.
ألم كبير اعتصر فؤاده وهو يتأمّل (لمى) واقفة صامتة حزينة مكتوفة الأيدي لا تشارك أخواتها اختيار الجلابيب المناسبة فهمس في أذن زوجته بصوت ينمّ عن مدى الحرقة التي يشعر بها: (( أين أخطأت؟ هل معاملتي لهنّ تتسم بالشدّة والقسوة؟ انظري إلى أخواتها لا يتعبنني مثلها… هل هذا جزائي لأني أخاف عليهن؟ أحياناً أشعر برغبة شديدة بضربها وتلقينها درساً لا تنساه طوال عمرها… ولكني لا أريد أن تنفر مني أكثر من ذلك ))
علا صوت الأم معاتباً بينما نظرات الإشفاق لم تفارق عينيها: (( هذا كلام يُقال ؟! تضربها؟!…)) وربتت بحنان على كتفه وأكملت قائلة: ((أنت تعلم أنّ هذا سنّ المراهقة فهي لم تتجاوز بعد السادسة عشرة من العمر فطبيعي أن تعترض أحياناً وتتذمر، ثمّ لا تنسى الأجواء المحيطة بها، فأغلب بنات العائلة سافرات حتى المحجبات منهن يتبعن أحدث صيحات الموضة ويعشن حياتهن كالأخريات… ستدرك (لمى) يوماً أنك ما أردت سوى الحفاظ عليها… لا تقلق وتوكّل على الله… وعليك أن تتحلّى بالصبر وطول البال)).
حاول الأب ملاطفة بناته في طريق العودة بناءً على اقتراح زوجته: ((ما رأيكن أن نتناول غداءنا اليوم في الخارج؟ ))
جذبت (لمى) شقيقتها من كمّها حينما سمعت اقتراح والدها وهمست في أذنها: (( ألم يكتفِ بعد من نظرات الناس إلينا وكأننا خرجنا من أحد كتب التاريخ))
ندّت شهقة من (فاديا) تنمّ عن دهشتها الشديدة:
المزيد