خطوة… إلى الوراء
واقع مرير نعيشه تعصف فيه فتن تجعل الحليم حيران… واقع لا يأمن فيه المؤمن على نفسه من أن يلحق بركب المنتكسين والمنقلبين على أعقابهم؛ لذا كان الخوف من الانتكاسة أمر مطلوب من كل مسلم ومسلمة؛ فهذا الخوف هو السَّوط الذي يقود المرء إلى الله والدار الآخرة، وبدونه يركن إلى الدنيا والنفس وحظوظهما؛ ولهذا قال أبو حفص وهو من كبار الزهّاد: الخوف سَوْط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه، وما فارَقَ الخوفُ قلبًا إلا خَرِب، وقال أحد السلف وهو ذو النون المِصريّ: الناسُ على الطريق ما لم يَزُل الخوف عنهم، فإذا زال الخوف ضَلوا الطريق.
والخوف من الانتكاسة نوعان:
- النوع الأول: الخوف من الكفر أو الردة عن الدين بالكلية – والعياذ بالله - وهي أعظم الانتكاسات جميعاً، وهو الذي أشار إليه النبي (ص) في الحديث الشريف الذي ورد في صحيح البخاري: وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار وفي حديث آخر جاء في صحيح مسلم: بَادِرُوا بِالأعْمَالِ الصالحة فِتَنًا كَقِطَعِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ اَلرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ اَلدُّنْيَا. والصحابة الكرام على جلالة قدرهم وعميق إيمانهم وكثرة أعمالهم الصالحة كانوا يخافون من فقد الإيمان؛ ولقد عبّر ابن القيم عن هذا الأمر فقال:
والله ما خوفي الذنوب فإنّها لعلى طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من تحكيم هذا الوحي والقرآن
- والنوع الثاني وهو: الخوف من التقهقهر في التمسّك بتعاليم الدين نتيجة ضعف قد يعتري بعض السالكين -وهو المرض المستشري في عموم المسلمين إلا من رحم الله- ولقد أخبر الصحابي الجليل عبد الله بن سرجس رضي الله عنه في الحديث الذي ورد في صحيح مسلم أنّ رسول الله (ص) إذا سافر كان يتعوّذ من وعثاء السفر وكآبة المنقَلب، والحور بعد الكون، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال، وفي بعض الروايات: ومن الحور بعد الكور قيل هو النقص بعد التمام، وهناك الخوف من نقصان الخير كتضييع السنن والنوافل وهذا ما أشار إليه النبي (ص) في الحديث الذي ورد في صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، قال لي رسول الله (ص): يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل .
وحديثنا عن النوع الثاني عن أمر لا يُعد ظاهرة ولا يرقى إلى مستواها، لأنّ أصحابها هم بحمد الله قليل، ولكنها مع ذلك موجودة في صفوف نسائنا ونموذج يُقاس عليه غيره وهي قيام بعضهن بخلع النقاب أو الجلباب والاكتفاء بالملابس المحتشمة بحجة أنها شرعية، وقد لا تلبث أن تتحوّل إلى الزينة والموضات المحرّمة.
فإذا أردنا أن نستقصي أسباب هذه الخطوة إلى الوراء وخلفياتها سنجد أبرزها:
- ضعف الايمان: فانتكاس الظاهر دليل على انتكاس الباطن، وهذا هو الالتزام الأجوف، فمن ضَعُف إيمانه ضعف صبره على التمسّك بشرع الله و(الصبر نصف الإيمان) كما قال الرسول (ص).
- تتبع الرخص بالتشهّي ويُقصد به: سؤال المسلمة لأكثر من عالم عن حكم النقاب وحكم الاكتفاء بالملابس العادية دون الجلباب، وتبنّي أخفّ قول وأقربه إلى هواها ورغبتها من غير ضرورة ولا حاجة؛ وهذا واقع كثير من المُستفتيات. ولقد اتفق العلماء على أن هذا ممنوع شرعاً لأسباب منها: أنّ تتبع الرخص يؤدي إلى التفلت من ربقة التكليف، كما أنه دليل على اتباع الهوى؛ ولقد حذّرنا الشرع من ذلك، كما يدفع المرء إلى تمييع أحكام الشريعة والاستهانة بها ويفتح بابًا للأخذ بالأقوال الشاذّة والباطلة وغير المعتبرة.
- كثرة المتصدرين للفتوى ومن بينهم من ليس أهلاً ولا ثقة، يقول الإمام محمد بن سيرين رحمه الله: إنّ هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم؛ فعلوم الشريعة ل
المزيد