أعاد عماد المصحف إلى مكانه ثمّ حمل حقيبته وغادر المسجد متجهاً صوب منزل صديقه، فلقد اتفقا على تخصيص فترة ما بعد العصر لمذاكرة إحدى المواد الصعبة.
(آآآآآآآآآآآآآآخ) صرخ عماد متألماً بعد لكمة أصابت معدته بطريق الخطأ… ونظر بغضب إلى مجموعة من الأولاد يُشبعون غلاماً صغيراً ركلاً وضرباً… تتقاذفه الأيدي يمنة ويسرة وكأنه كرة صغيرة.
هبّ عماد على الفور لنجدته من براثن أولئك الصبية؛ فاعترض أحدهم: (( لا يجب أن تدافع عنه إنه سارق… لقد سرق دراجتي))
دافع الغلام عن نفسه بحرارة: (( لم أفعل… أقسم بالله أني لم أسرق شيئاً)).
وقف عماد يستمع إلى الحوار الدائر بينهما وعيناه تتأملان ثياب الغلام الرثة وحذائه المهترىء.
((إخرس… )) صاح صاحب الدراجة المسروقة: (( ومن غيرك؟!.. أنت الوحيد الذي كنت تقف بجوارها)).
وتصاعد نحيب الغلام؛ فحار عماد في كيفية معالجة هذه المعضلة… فجأة أشارت الأيدي الصغيرة إلى فتى يقود دراجة، قال أحد الأولاد: (( أليست هذه دراجتك؟))
تلعثم صاحب الدراجة، وقال بخجل: (( يبدو أن صديقي استعارها دون استئذان مني)).
تنفس عماد الصعداء وشكر الله تعالى على ظهور الحقيقة، ولكنه لم يرد أن يمرّ الموقف مرور الكرام، فلا بدّ أن يلقن هؤلاء الصبية درساً حتى لا يعيدوا الكرّة فيلقوا الاتهامات جِزافاً؛ فبادرهم بسؤال أثار فضولهم: ((سمعتم بيوم الوشاح؟))
نظر الصبية إلى بعضهم البعض، فتكفّل صاحب الدراجة بالردّ ولكن باستهزاء: (( لا لم نسمع به من قبل، هل هو عيد جديد؟)).
أجاب عماد والابتسامة لم تفارق فمه: (( لا إنه ليس بيوم عيد، ولكنه موقف حصل مع إحدى الصحابيات شبيه بما حصل معكم اليوم))، وتحرّك الفضول في الأفئدة الصغيرة، ((حقاً؟… اسمعنا)) قال صاحب الدراجة بسخرية.
ردّ عماد: (( ما رأيكم أن نذهب إلى المسجد إنه على بعد خطوات قليلة من هنا؟ نصلي ركعتين ثمّ أخبركم عن هذا اليوم؟))
لحظات تشاور بسيطة مرّت بعدها وافق الصبية…
****
وقف إمام المسجد من بعيد يرمق عماد بإعجاب وهو يسرد على الصبية تفاصيل القصة: (( في أحد أحياء مكّة تلك الأرض الطاهرة كانت تعيش جارية سوداء تقوم على خدمة سكّان الحيّ، وفي يوم من الأيام خرجت فتاة من ذلك الحيّ إلى مغتسل وعليها وشاح أحمر وقبل الدخول وضعت الوشاح خارجاً…))
((آآآآه فهمت قصدك)) قاطعه صاحب الدراجة ((تريد أن تقول أنّ هذه الفتاة حدث لها الموقف نفسه الذي حصل معي اليوم؛ فهي أضاعت الوشاح كما…)) وتعالت الأصوات معترضة: ((لا تُفسد القصة دعه يُكمل…))
وأكمل عماد: ((نعم كما قلت وضعت وشاحها الأحمر الجميل خارجاً فمرت حدياة – طائر صغير- فظنته لحماً فالتقتطته وأخذته))، وقاطعه صاحب الدراجة من جديد: (( لا تتعب نفسك أعرف باقي القصة الخيالية تلك)) سخرية صاحب الدراجة لم تفتر من عزيمة عماد بل زادته إصراراً على كسب ودّ الفتى فشجعه قائلاً: ((إذن أخبرني بقيتها))، قال صاحب الدراجة: ((لمّا خرجت الصبية فقدت الوشاح، واتهمت تلك الجارية بسرقته؛ أليس كذلك؟!))
ضحك عماد وأضاف: ((أنت فتى ذكي ولمّاح.. بالفعل اتهموا تلك الجارية بسرقة الوشاح، وقاموا بتفتيشها وتهديدها و











